هجرة!
السادسة صباحاً إشارة مرور حمراء، لحظة يتوقف فيها الزمن. أتكئ على النافذة و أتلصص على الحياة القابعة خلفها، رجل خمسيني يتذيل حشد من الفتية يسترزقون على بيع المناديل الورقية، يحاول سباقهم ولكن سنوات العُمر تأبي، أُشيح بوجهي وأنا ألعن الفقر. يرتطم نظري بصندوق حافلة، يحمل كتلة من اللحم البشري، عمّال مصنع، في رأسي ترن أُغنية " في الفجرية طالع، يصنع في المصانع " و " درن الأيدي العُمّاليّة " و " زيت العامل هو العاد يطلع " واقفين في الصندوق بلا حراك، لا أستطيع التقاط ملامح وجوههم، ولا حتى سُحناتهم، فقط كُتلة من اللحم البشري، الفقر في هذه البلد في كُل ركن يلهو. أحاول جاهدة الإبتعاد عن المشهد، أجمع تلابيب تركيزي داخل السّيارة، ينعي المذيع في الراديو - بكل حسرة - الأمام الصادق المهدي، أرى الوطن أمامي يوضّب متاعه يُريد الهجرة إلى مكان أفضل، ويُكسر ظهري أنا من الحمل الزائد من الحُزن!