هرب
الليل في فوري ما زال في أول شبابه، لم تشتعل فيه خيوط الفجر شيباً بعد، الرمل على مد البصر، ينتهي بأضواء تتراقص مع النجوم، الهدوء سيّد المشهد، لو أوقعت إبرة في الرمل لسمعت صوت ارتطامها، البدر مُكتمل الجمال، مُضيء الوجه، كمن جالس حبيبته للتو.
أصوات بعيدة تُعكّر صفو الليل، في قُطيّة فاطمة بائعة الخُمور البلدية، يتسامر الرجال وهم يتجرعون الخَمرَ كالماء، المبنى عبارة عن حائط دائري من الطوب، وتم سقفه بالقشّ، في منتصفه عُود قائم، يحتوي على سريرين وعدد من الكراسي والطاولات البلاستيكية.
يضحك سليمان ضحكة مجلجلة تكاد أن تدك أطناب المكان، تهتز لها كرشه، وتدمع عينيه، ويتوقف وهو يعب الهواء عباً، ثم يقبض على كوب الخمر يتناولها جُرعة واحدة، ويضرب بالكوب الطاولة، ثم يستغفر ويمسح عينيه.
سليمان يعمل سائقاً لنقل البضائع، ويخرج في رحلات طويلة تمتد لأشهر، وعندما يأتي لمسقط رأسه فَوْري، التي تقع شرق مدينة الأبيض ببضع كيلومترات، ويمكث فيها لبضع أيام لابد أن يجتمع مع أصدقاءه، يروي لهم ما رآه وما سمعه، و يخبرونه بأحوال القرية، و يقارعون الخمر مع الليل حتى يرحل.
يُخبر أصدقائه عن إحدى رحلاته إلى حجر نارتي، قرية تُجاور النيل، وعن هذه الفتاة المبروكة التى تقطن فيها، تسكن في آخر القرية، يُقال أنها وُلدت في ليلة مثل هذه، البدرُ فيها مُكتمل، والسماء صافية، والطقس لا بارد ولا حار، ولا يُسمع فيها صوت، يُقال أنها وُلدت مختونة، وبعضهم يقول أنها تمتلك ذكراً، يُقال أنّ نصف رجال القريّة تركوا القرية يوم تفتحت زهرتها وأدركت البلوغ حتى لا تُسلب عُقولهم بجمالها، توفي والدها قبل أن يراها، وأمها حُزناً على أبيها بعد بضعٍ سنوات، ويقال أنّها قبل أن تموت أخذتها لحكيمة تُدعى أم كجبار، فتنبأت أنها ابنة النيل وليست ابنة أبيها، وأنّ الليلة التى تتفتح فيها زهرتها سيفيض النيل ويبتلع القرية كلها.
لا أحد يُصدق سيلمان بعد الكأس الرابع، إلا ود الجنريك، الذى سحرتهُ القصّة، وعزم على أن يشدّ رحاله إلى حجر نارتي، لا يعلم إن كان هذا تأثير الخمر أم الفضول، أم الإثنين معاً، ود النجريك هو عُمدة فوري، إذ توفيّ والده وهو لازال في منتصف العشرين، فورث العموديّة منه، توكيل لم يرهُ قادماً، وحمل ثقيل لا يملكُ له ظهراً قويّاً.
خرج من قُطيّة فاطمة والفجر طفلٌ يحبو، والقرية عُش نحل، وقادته قدماه إلى حيث تجتمع العربات المتجهة إلى مدينة الأبيض والتى تحطّ رحالها في سوق أبو جهل مباشرة، من دون أن يمرّ بمنزله ويطلع زوجته على رحيله، هذه الخطوة التى كان يجب أن يتخذها منذ وفاة والده قال مؤيداً نفسه ، لو علم والده بما هو مقدمٌ عليه لمات من الحسرة على ولده الذى ترك قريته وبيته وزوجته ورحل، ولكنّه ميّتٌ بالفعل!
أيّ خمرٍ هذا الذى يتراقص في رأسك ويدفعك إلى جلب العار إلى فناء أبيك يا ود النجريك؟ ولكنّه ليس الخمر، ولا الفضول، ما الذى يجعلك تهرب ؟ مم أنت هارب؟ لا يحطّ على جواب حتى يصل، حتى يرى النيل وهو الذى ظنّ أنّه لا يُوجد تجمّع مائي أكبر من الحفيرة!
وصل و السماء مخضبة بالحناء، والبدر باهت كروحه، وجلسَ قُبالة النيل، يملأ رئتيه بهواءه، يود لو يُبدل دمه بماءه، فما يعود عمدة القرية، أو أن يبتلعه، أو أن يُبادله الحديث ويصير صديقه وينظر في أمره ويعطيه الحل الناجع.
ثقل جفنيه فتوسد أفكاره واضطجع، وفى البرزخ بين الصحو والنوم، وعيناه تُسدلان الستار على يوم آخر مضى من حياته رآها، تحرجُ من النيل، كيوم ولدتها أمها، ثم يغلبه النوم.
تُدعى عبير، تسكن في تخوم القرية، في بيت قديم، متهالك السقف، تقتات على الطعام الذى يقدمّه لها قاطنو القرية طامعين في بركتها، يأتونها سائلين، ابني مريض هذا طبق بلح، زوجتي في آخر أشهر الحمل هذه ملوة قمح، أريد أتزوج ابن خالتي، هذا ما أنتجته المعزة صباح اليوم، زوجي مسافر هذه جرّة عسل، تُغطي وجهها على الدوام، يُقال من يراه إما أن يُصاب بالعمى، أو أن يقتله المرض، لا تتحدث مع أحد فصوتها يُصيب سامعه بالجنون، من يراها يُغير الطريق، تأكل من أي جنينة تشاء، ولصاحبها الوعد بالإنتاج الوفير.
تتزيّن السماء بأقراط من نجوم كما اللؤلؤ، وود الجنريك لازال يُسامر النيل، ويشكوه هُمومه، ويتذكر رؤيتها وينتظرها، حتى يغلبه النعاس فيغفو، يستيقظ فيجدها جالسة بقربه، يتعدل في جلسته، لا تُعيره بالاً و تستمر في شرودها، يتنحنح فتنظر إليه، فيغرقُ في عينيها وهو لا يُتقن السباحة، النيل جليس من لا جليس له، تقول، ثم توجّه رأسها إلى الأمام وتقول اسمي عبير، وأبي النيل، ثم ترحل ولا تترك له قشّة يتمسك بها في غرقه.
في اليوم التالي تأتيه وتُناديه بإسمه، وتُحضر له طعاماً وتقول كلّ فيأكل، ثم تحدّثه عن قصتها كما فعل سليمان، ثم تبدأ في سُؤاله عن قصته فيرويها، ثم تخبره أنّها تعلم لمَ جاءها، وأنّها كانت في انتظاره، وأن أباها النيل سيُخلصه من كل ألم، ولكنّ يجب عليه أن ينتظر الوقت المناسب، فيوافق.
أصبحت تأتيه في كل يوم فيتسامران، وتحضر له الطعام، وتحكي له القصص، حتى تمكّن حُبّها من شغاف قلبه، فما عاد يُطيق بُعدها وصار يتبعها أينما حلّت، يجافي النوم عينيه إلا أن يراها في أحلامه، ولا يقرب طعاماً لا تشاركه فيه.
ثم في يوم ما أخبرته أن أبوها النيل مُستعد للقاءه، فيذهبان إليه، فتهمّ بخلع ثيابها فيسألها أين سيلتقيان، فتشير إلى النيل، فيجيب مستنكراً أنّه لا يُجيد السباحة، لا تُلقي بالاً لجوابه وتقفز، يصيح بإسمها فلا تُجاوبه، ينظر من حوله لا أحد، يعبُّ نفساً عميقاً ويقفز.
يُحاول أن يضرب الماء بيديه فلا ينجح، يشعر أنّه مقيّد، وأن الماء يشدّه إلى أسفل، يبحث عنها فلا يراها، تمتلئ رئتيه بالماء، وتفتر عزيمته حتى تتلاشى فيستسلم.
في الصباح يتساءل أهل القرية أين المجنون الذى كان يقطن البيت المهجور، ويتجوّل في أنحاء القرية يحدّث نفسه، ويقضي الليل أمام النيل، بعد ثلاثة أيام لفظه النيل جيفة رداً على تساؤلاتهم.
❤
ردحذفأزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذفرووعه 😍
ردحذفرووعه 😍
ردحذف