إنها تُمطر!

إنها تُمطر، وأنا عالقة هنا، مع كل هؤلاء البشر في الموقف، نصطاد الحافلات اصطياداً، الاجسام البشرية تتلاصق، حتى لا تعرف نهاية أحد من بداية الآخر، تصيرُ وجعاً واحداً، حُلماً واحداً، حلم الوصول إلى البيت، وخيبة واحدة! 
تختلط رائحة العرق مع العطور الرخيصة، أحدهم يُقشر التسالي، وحبيبين يتمازحان، كما كنّا نفعل، واقفين في هذه البقعة تماماً، ويدكُ على الشجرة تتكئ عليها، وعيناك مُثبتتان عليّ، وأنا أُجاهد نفسي لأسترق النظرات، قبل أن يقتُلني حيائي فأُطأطىء رأسي من جديد، كأنّها البارحة، تأتي حافلة فتجري لتحصل لنا على مقعد، تقول أجلسي معكِ أُخرى، وتقفُ على الباب.
تلوح على شفتي شبح ابتسامة سُرعان ما تتلاشى، يوقظني صوت يصدح : "صينية،صينية " من تخيلاتي، فأنجح في الحُصول على مقعد، أتكئ برأسي على النافذة، يأتيني صدى صوتك : " أنتِ بخير؟ " فألتفت بجزع إلى الشخص الجالس جانبي، ولكنّه ليسَ أنت! ابتلع خيبتي وأسند رأسي على النافذة مجدداً ، لقد بللها المطر، ونظارتي كذلك، ولكن هذه الرؤية المشوشة سببها دموعي التى أُجاهد لأُبقيها في مكانها، ولكني لا أحتاج لرؤية الطريق، يُمكنني اغماض عينيّ طِوال المسافة، ومعرفة موقعي بسهولة، لقد حفظتُ الطريق عن ظهر قلب، تذكرتُ يوم تحديتني أن أعرف أين نحن بإغماض عيني، لُعبة ساذجة، ولكني برعتُ فيها،  شبح الإبتسامة يلوح مجدداً،شعرتُ بأنك بقربي، وشممتُ رائحتك، أعادني للواقع صوت فرقعة أصابع الكمساري، فجأة شعرتُ بالضيق، والتصاق ملابسي بي، وبسيلان أنفي، وبصداع يكاد يُفجّر رأسي، ممدتُ له المال على مضض، وبارتباك، أنت تعلم أني أُجهز المال فور تحرك الحافلة، وأُمعن النظر في الكمساري حتى يطلبه مني، العادة التى لطالما سخرت منها، ورويتها لكل من استقل معنا مركبة عامة !
إنها تُمطر وأنا أكره المطر، ولكنني أحببته من حُبّك له، ومن اللهفة التى تطغى على صوتك عندما تتلبد السماء بالغيوم، ومن الطفل الصغير الذى تستحيله عندما يهطُل! 
أتذكر مقولتك " الأرواح الحزينة تجري تحت المطر، أما العاشقين يتمشيان بينما تتعانق أصابعُهما " ثم تمسك بيدي وتمشي كمن لا يُريد الوصول، تشدّ على يدي كلما حاولت الإسراع، وتضحك عليّ، ومعي.
إنها تُمطر، وأنا أجري تحت المطر، ككل الأرواح الحزينة، وأبكي إشتياقي لك، أبكي مُنذ أفلتَ يدي، منذ أدركت أني سأُواجه الدُنيا وحدي، أبكي ولا اراني أتوقف!

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

23

لا أستطيع أن أغفر!

وهم !